وظائف







مطبخ دليلي

كعكة لوز





مشوار فلسطيني?

وادي كفر قرع


وادي كفر قرع، شتاء 2009




سياحة حول العالم

مدينة أنتوفاغاستا، شمالي التشيلي، أميركا الجنوبيّة


شاطئ المحيط الهادي، مدينة أنتوفاغاستا، التشيلي






 
أنْ أتخلّى عن الخيالات
2009-05-10

ما تزال الأرض المحتلة من فلسطين عام 1948 صورة أقرب إلى الخيال والعالم الافتراضي المبني على حكايات الجد المهجّر من هناك، وعلى الكتب، وفي السنوات الأخيرة على اليوتيوب والمواقع الإخبارية والفيس بوك: فيديو، صور، أخبار، مقالات...
رغم التقائي بثلاثة منهم، أيمن وحنان في بروكسل، وريم في أبوظبي، ورغم أن سَحر ابنة يافا- جواز ألماني- ذهبت إلى هناك ورجعت بأخبار وحكايات، ورغم أن وفاء ابنة الشجرة- جواز بريطاني- تخبرني مرارا بأنها تنوي الذهاب إلى هناك، ورغم أن ميرال القادمة من رام الله لا تكف عن سرد ذكرياتها عن عكا وحيفا ورام الله والقدس- وستحضر لي ريحانة حين ترجع من إجازتها في رام الله- ما تزال هذه الأرض أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، وما أزال أعتقد بأن العالم كله لن يقنعني بأنها حقا واقعية دون أن أصدّق ذلك بنفسي، هناك.
تي شيرت مطبوع عليها "حركة شباب ترشيحا" وبوست كارد مهرجان يوم ترشيحا وكتاب مصوّر عن كفر برعم وميرمية من رشا.
فيلم عروس الجليل من باسل.
كمشة كبيرة من تراب ترشيحا وصنوبر من كفر ياسيف وألبوماتها الثلاثة وكتاب والدها المطبوع عليه في صفحته الأولى: "مطبعة مخول وحزبون- ترشيحا" وجزدان نسائي صغير- لم أدر بعد لماذا نسائي يا أمل- مطرّز فلسطينيا من أمل.
وكيلو من الزعتر الأخضر الفوّاح الفلسطيني وليمونتين من حديقة بيتها في الناصرة وألبومات من ريم.
كل ذلك وصلني من تلك البقعة الحقيقية في خيالي أكثر مما هي عليه ربما في الواقع، كل تلك الأشياء والتفاصيل كانت حقيقية.
يمكنني في أي لحظة أن أمرّغ أصابعي في كمشة التراب، ولا أفعل كي لا أهدر غباره. أما الزعتر فقد كنت آكله كله لوحدي على العشاء، لم أتشاركه مع أحد؛ تجاهلت طلب البعض إعطاءهم كمشة صغيرة من الزعتر، وعلى السفرة لم يسترج أحد مشاركتي أكله بعد ما قلت لهم منزعجا: تعملوش هدا منه سندويش لإنه ما بَتهنّى فيو هيك، بتْقَدروش قيمته إنتو... ولم يكن هنالك من عمل منه سندويشا لكن كلامي هذا كان مجرّد تحسّب. لم أكن أنوي أكله أصلا، بل حفظه في الفريزر لسبب أجهله، لكن ريم أصرّت، على أن تأتيني بكيلو آخر لاحقا. وكل ما أُرسل كان وما يزال حقيقيا. إما أني نفسي إذن لست حقيقيا فتبدو كل هذه الأشياء "الوهمية" بالتالي حقيقية، وإما- إن كنتُ حقيقيا- أنّ رشا وباسل وريم وأمل يلفقّون كل شيء لمسايرتي ربما، وإما أنهم حقا هناك وأن هذه الأشياء كلها حقا من هناك وأنهم ليسوا فقط في الحكايات والإنترنت والتلفون.
الأصوات كانت حقيقية من هناك، زهير وباسل وسناء وميسون ورشا وأمل، حتى أن شاشة الموبايل تُظهر private no. حين تأتيني مكالمة من هناك، زهير الترشحاوي مثلي، ونكاته عن أهالي القرى المجاورة، وتواطئي التام معه؛ وأنا أيضا لم أقصّر في نكات عن الطيراويّة والصفديّة وعن التراشحة إن زاد بعض الوقت، وعادة لا يزيد. سناء وميسون وأمل ورشا عبر إذاعة الشمس، كانوا حقيقيين. الإذاعة نفسها: الإعلانات كانت جذابة، إكزوتيكية، المادة المعلَن عنها، اللهجة، أسماء المحال، أسماء الشوارع والحارات، طبيعة الحياة الاستهلاكية في الـ 48 حقيقية، الأخبار المحلية، اللهجة مرة أخرى، أخبار الطقس، البرامج المنوّعة والمتّصلين أنفسهم كانوا حقيقيين، رغم أنهم كانوا يتصلون من قرى ومدن ما عرفت أسماءها إلا خياليّا وافتراضيّا، لهجاتهم كانت حقيقية، كانت أكثر فلسطينية مما تعودت سماعه.
كل شي في أرض الـ 48 بات أقرب إلى الحقيقة الآن، هذه التفاصيل كلها حقيقية، لكن رغم حقيقيتها، الصورة الأوسع التي تشكلها ما تزال خيالية، ما تزال مجردة غير ملموسة. لن أستطيع تجاهل ما وصلني من هناك ولا من تكلمت معه من هناك ولا الصور ولا الفيديو ولا الأخبار ولا حتى كل ما يدور في الفيس بوك من هناك. بات خيالي الآن مكدّسا بتفاصيل من هناك، لكن شيئا ما يحول دون حقيقيتها وحقيقية تلك الصورة الأوسع.
رغم كل ذلك ما أزال في حاجة إلى المزيد من الوقت لاستيعاب أن فلسطين الـ 48، أن تلك الأرض موجودة فعلا، أو ليس الوقت، أحتاج إلى أن أكون هناك، وأن أكون وقتها حقيقيا، لأصدق بأن "هناك" حقيقية، أو لا أن أكون هناك، أن أعيش هناك لأصِل يومها إلى تساؤل: هل حياتي قبل "هنا" كانت حقيقية، أم أنها مجرد خيال؟ هل كنت في حالة كوما طوال عمري واستيقظت الآن في ترشيحا؟ ما تلك الحياة إذن؟ إذا كنت "هنا"، والآن هنا كل شيء حقيقي وواقعي، ما كان ما عشته كل تلك السنين إذن؟ هل يضطر أحد المكانين/ الحياتين إلى أن يكون خيالا، فلا أدري أيهما يكون؟ أم أنه، بكل بساطة، مجرّد انتقال من مكان إلى آخر قد يستغرق ساعتين، كحد أقصى، في الطائرة؟
سأبحث حينها عن كمشة التراب والليمون والميرمية والألبومات والكتاب والتي شيرت والفيلم والظروف وما لُصق عليها من طوابع وأختام، فإذا كانت كلها موجودة وحقيقية، ستكون الصورة حينها أوضح في رأسي؛ كل شيء حقيقي ولكني فقط.. عدتُ.
عندها سأرتاح قليلا.
سأتخلى تماما عن الخيالات.
سليم البيك


لإضافة تعليق

الاسم:     

البلد:      

الموضوع:

التعليق:






تصميم الموقع: منال صعابنة
| للاتصال بنا: daleeli.site@gmail.com | Copyright © 2007 - 2018, All rights reserved.
       أنْ أتخلّى عن الخيالات - سليم البيك