وظائف







مطبخ دليلي

بسكويت الجرانولا





مشوار فلسطيني?

مسار وادي الستّ


مسار وادي الست




سياحة حول العالم

باريس، الحي اللاتيني وضفاف نهر السين في 5 ساعات









 
غسان كنفاني.. الاستثناء
2009-03-04

الحيرة التي تأتيك وأنت مواجها، وبكل عبثية، الصفحة البيضاء، مشروعة. وأن تتفاوت في مدتها وعدد مرات محو الأسطر الأولى، كلها مشروعة، وإن كان للموضوع صلةٌ بإنسان كغسان كنفاني، فمن غير المشروع أن لا تزيد هذه الحيرة عن الحد المتعارف عليه، من الوقت الذي تستغرقه، إلى عدد مرات محو الأسطر الأولى.
غسان، هو الأديب؟ الصحافي؟ الفنان؟.. فلنقل المبدع الشامل، أحاول دائما تجنب أسلوب التصنيف في التعامل مع مبدعين كغسان، وربما قراءاتي الأولى له حولتْ عجزي عن تصنيفه، إلى ولاء لمثاله، ليس بسبب تعددت مجالات إبداعاته، وكان صادقا معها جميعها، فحسب، بل لأنه أبدع في هذه المجالات، وكان رياديا في كل منها على حدة.
كتب غسان الرواية، والقصة القصيرة، والمسرحية، والبحث الأدبي، والمقال الصحفي/ نقد اجتماعي وثقافي وسياسي، كما كتب جزءا من البرنامج الفكري لحزبه. وله نِتاجه المتميز في الفن التشكيلي، والتصميم الغرافيكي للملصقات السياسية.
وعن هذا التنوع- الأدبي خاصة- عند غسان، كتب الناقد فيصل درّاج: فحين ينتقل غسان من شكل أدبي إلى آخر فهو يسعى، كما كان يقول، الإمساكَ بالواقع "مئة بالمئة" لكنّه يدلل في الوقت ذاته على وعيٍ يرى أنّ هذا الطموحَ يظلُ هارباً، وهو ما يُملي عليه أن يكتب الفكرة ذاتها بأشكال مختلفة. وواقع الأمر أنّ غسان لـم يكن يكتفي بالاختلاف إلى أجناس أدبية متعدّدة، بل كان يفتّش عن أشكال متعدّدة داخل الجنس الأدبي الواحد، كأن يكون رمزياً في "رجال في الشمس" وواقعياً اشتراكياً في "أم سعد".
كان غسان مؤسسة بحالها، أو كما قالت عنه جولدا مائير رئيسة الوزراء التي أمرت باغتياله: "كان أخطرَ على إسرائيل من كتيبة من الفدائيين"، وإن كتب غسان يوما عن الفدائيين: ’إن كل قيمةَ كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح.. وإنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه.‘ فما كان قرارُ اغتيال هذه "المؤسسة" أو "الكتيبة" مفاجئا، إن كانوا سيضربون بذلك ألف عصفور بحجر، أو بعبوّة ناسفة.
بدأ غسان في العمل صغيرا. في دمشق، حيث تهجّر وعائلته من عكا، صنع أكياس الورق، ثم اشتغل عاملا، ثم في كتابة الاستدعاءات أمام أبواب المحاكم في الوقت الذي كان يتابع فيه دروسه الابتدائية، ثم التصحيح فالتحرير في بعض الصحف، ثم اشتغل في برنامج فلسطين في الإذاعة السورية، وكان يكتب حينها بعض الشعر والمسرحيات والنصوص الوجدانية للإذاعة. عندما أنهى دراسة الثانوية عمل كمدرس في مدارس الأنروا التابعة لوكالة الغوث في الأمم المتحدة، ثم التحق بالجامعة لدراسة الأدب العربي وانخرط حينها في العمل السياسي. وبرز بعدها قلم غسان في الصحافة، بداية في نشر تعليقاته النقدية الحادة تحت اسم "أبو العز"، كما كان ينشر في "الرأي" في دمشق، ثم في عام 1960 بدأ في بيروت كمحرر للقسم الثقافي في مجلة "الحرية"، وترأس تحرير جريدة "المحرر" وأشرف على الملحق الأسبوعي الذي كانت تصدره باسم "فلسطين"، وترأس تحرير جريدة "الأنوار" بعد هزيمة 67 حتى أسس في عام 1969 مجلة "الهدف" التي ترأس تحريرها حتى تاريخ اغتياله.
بين الكتابة (الأدبية والصحافية) والقراءة والرسم والالتزامات الحزبية كناطق إعلامي، ومتابعة إصدارات الكتب لزاويته النقدية، وعمله في التحرير، وحياته الخاصة وإبر الأنسولين، ولقاءاته مع صحفيين أجانب، وكل ذلك كفعل يومي، كان لا بد ليومه أن يزيد عن 24 ساعة. وفي واحدة من تلك الساعات، التقى بزوجته ورفيقة نضاله أني كنفاني، التي أتت من الدنمارك كناشطة لتتعرف على المخيمات الفلسطينية وقضيتها، فاختارت أن تبقى هناك، وأصبحت زوجتَه وهي تعرف أنه "شمعة تحترق من الجانبين" كما كتب صقر أبو فخر. بقيت معه حتى بعد استشهاده، حيث عملت على إنشاء مؤسسة غسان كنفاني الثقافية لحفظ ذكراه وكتاباته وترجمتها إلى اللغات الأجنبية للتعريف بالقضية الفلسطينية، وهي لا تزال الآن تعيش في بيروت، حيث مضى غسان في رحيله الأخير.
إن لتعدّد أوجه وأشكال الإبداع عند غسان كنفاني تأثيرا "سلبيا" على بعضها، فغسان المناضل السياسي أو الأديب نال بعضا من حصّة غسان الصحافي والناقد، فلم يقرأ الكثيرُ مقالاتَه المجمعة في كتاب "فارس فارس" الصادر عن دار الآداب عام 1996، ولم يَعرف الكثيرُ عنها أصلا، وبطبيعة الحال لم يُكتب عنها إلا ما ندر- وهو كأديب، كُتبت عنه مقالات وبحوث وكتب، ما لم يُكتب عن أديب عربي آخر. إذن لم يُعرف الكثير عن كتاب "فارس فارس"، ولم يُكتب عنه إلا ما ندر، ولم يُعاد طباعة الكتاب، فهو وبطبعة الـ 96 للأسف، كان على رفوف جناح الدار العريقة في معرض الشارقة للكتاب قبل أسبوعين. وأنا سأستغرب عدم نفاد الكمية أو إصدار طبعة جديدة حتى لو عرفتُ بأن العربي يقرأ ما لا يزيد على ربع صفحة سنويا، وفي رواية أخرى 6 دقائق، حسب تقرير أصدرته الأمم المتحدة مؤخرا.
أبدع غسان في المقال الساخر الذي كان يكتبه باسم فارس فارس، وكان يلجأ لسخرية قد لا تحتملها جدية ومأساوية المواضيع التي تناولها في رواياته وقصصه ومسرحياته، وربما ليتحرر قليلا من وطأة المستلزمات النضالية والسياسية. كان غسان نقديا بامتياز، وكانت صفحاته الساخرة تكشف عن اطلاع واسع عميق ومتابعة متواصلة ودقيقة إلى حد كبير لآخر تيارات الفكر والفن والأدب والصرعات التجديدية التي حفل بها زمن الستينات كما أشار الناقد محمد دكروب، وكتب دكروب في مقدمته التحليلية الطويلة لكتاب "فارس فارس": وكان في الكثير جدا من مقالاته هذه خفيف الدم، جارح السخرية، بارع النكتة، كاشفا فاضحا معريا، ضاحكا وخبيرا محنَكا في إثارة الضحك، وبالأخص على التفاهات والغلاطات والوقاحات، وفقر الدم "الأدبي" أو "الفكري".. وكان في هذا كله- أو في أكثره- جادا جدا.
وعن اختلاف هذه الكتابات عما قرأناه من أدب غسان كتب دكروب: صحيح أن حضورَ القضية الفلسطينية في كتابات غسان- وليس فارس فارس- لم يكن ليحصرها في ذاتها، بل بالعكس، كان حضورُها هذا واضحا في ترابطه وتشابكه العضوي بالقضية العربية عامة، الوطنية في البداية، والوطنية التحررية الاجتماعية، تاليا.. ولكن الأساس في هذه الكتابات يظل هو الشعب الفلسطيني، قضيةً وثقافةً ومستقبلاً. فارس فارس- وهنا ينتقل دكروب للحديث عن فارس وليس غسان- كان منفتحا على الأفق العربي الأوسع. يتناول كتبا، وأعمالا في الأدب والفن والفكر والسياسة، من مختلف البلدان العربية، ومن العالم، ويضعها على مشرحة النقد الساخر، أو التقييم المرح، أو يدخلها في دائرة اكتشاف الجديد من أدب وأدباء. ويضيف دكروب: فاختلاف كتابات فارس فارس، إذن، عن كتابات غسان كنفاني، لم يكن فقط بالتوقيع المستعار، بل كذلك، وخصوصا بالنوع، وبالموضوعات، وبالأفق العربي المتنوع لتعدد الموضوعات، وبمرونة اللعب والمناكفات والتجرّؤ أكثر والمسخرة التي لم يكن غسان كنفاني يسمح لنفسه بها، إلا في إطار محدد محدود... وبرهن فارس فارس، بالممارسة، أنه ناقد أدبي لمّاح، متذوق، يرى عناصر الإبداع والأصالة، ويكشف عناصر الضحالة والاصطناع واللاموهبة، على السواء، في مختلف الأعمال الأدبية والفكرية التي يدخلها إلى.. مشرحته!
أما عن الأسلوب النقدي لغسان الذي تحلّى بوعيٍ كاف لما يعالج وكيف يعالج، أو لما يبتر وكيف يبتر كتب دكروب: قراءة هذه المقالات، في تتابعها وترابطها، يكشف عن نفاذٍ في النظرة النقدية ساعدت الكاتب نفسه في تكوين مفاهيم وانطلاقات خارج إطارات ضجيج بعض تيارات ذلك الزمان وضدها، وكشفت عن بذور جنينية لنوع من الإستقلالية الأصلية في النظر النقدي: فهو (الكاتب الحداثي) لم ينبهر أبدا بالخزعبلات الكثيرة التي افتُعلت باسم الحداثة في ذلك الزمان، بل فضحها.. وهو (الكاتب المناضل، والحزبي الآخذ حديثا بالماركسية) لم يصفّق أبدا لـ "الأدب" الشعاراتي الثورجي، بل نشر سنسفيل هذا التيار وذاك.. ووقف، باستمرار، مع القيمة الأدبية الفنية والمعرفية للأعمال الإبداعية والبحثية.
وكما كان شاملا، كان غسان رياديا.. في الأدب، أجناسا وأشكالا ضمن تلك الأجناس، وفي البحوث حين كتب عن شعر المقاومة في فلسطين المحتلة وعرّفهم، جيلَ ذلك الزمان، على أسماء كمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرَهم- وهنا أضيف اكتشافه لناجي العلي الذي قد أعتبره نوعا من الريادة- وحين كتب دراسته الباكرة والأساسية عن الأدب الصهيوني ودراسة أخرى يعتمدها الباحثون حتى اليوم، عن ثورة 36-39 في فلسطين. كما كان غسان رياديا في كل ذلك، كان كذلك في مقالاته الأسبوعية الساخرة التي تفتقر لمثيلاتها صحافتُنا العربية اليوم بعد أكثر من 40 عاما على نشر آخر مقالات فارس فارس.
ولد غسان في عكا عام 1936، واغتيل في 8 تموز\يوليو 1972، عن 36 عاما. معظم أعماله صدرت في العشر سنين الأخيرة من حياته، أي أن أغلب ما كُتب عن غسان الأديب/السياسي/الناقد/الصحافي/الفنان تناول العشر سنين الأخيرة من حياته، وأذكّر، استشهد وهو في الـ 36، لو قدّر له أن يحيا إلى يومنا هذا، لكان في الـ 72 من عمره، ونحن، حتى اليوم، خسرنا باغتياله 36 عاما من ابداع غسان، ومع كل سنة تحل علينا نخسر أكثر، ونعي أكثر أهميته، وقد نقارب في وعينا هذا وعي إسرائيل لخطورته منذ 36 عاما.
غسان الذي نتكلم عنه، اغتيل وهو في الـ 36، وعمره اليوم 72 عاما، فلنتأمل خسارتنا، بهدوء، ولو قليلا.
دولةٌ تغتال كاتبا..
وهكذا افتتحت به إسرائيلُ سلسلةَ اغتيالاتها لمثقفين فلسطينيين كانوا الأخطر عليها، فكانت 9 كيلو غرام من الـ TNT شديدة الانفجار كافية بأن تجعل من غسان "رياديا"، حتي في طريقة اغتياله.
سليم البيك


لإضافة تعليق

الاسم:     

البلد:      

الموضوع:

التعليق:






تصميم الموقع: منال صعابنة
| للاتصال بنا: daleeli.site@gmail.com | Copyright © 2007 - 2018, All rights reserved.
       غسان كنفاني.. الاستثناء - سليم البيك