وظائف









مشوار فلسطيني?

مشوار إلى حيفا


صورة للجزء السفلي من حديقة البهائيين، ومنظر لمدينة حيفا من خلال الحدائق




سياحة حول العالم

باريس، الحي اللاتيني وضفاف نهر السين في 5 ساعات









 
سرقة على أخرى* (عن الفلافل الفلسطينية)
2009-03-13

قدّمت مذيعة أخبار قناة "العربية" السعودية قبل أيام لتقرير عن سرقة إسرائيل للأكلات الشعبية اللبنانية، سمعتها بالصدفة كوني لست من متابعي هذه القناة، وأفضّل "الجزيرة" عليها. قلت في نفسي بأنها خبريّة جديدة أن تسرق إسرائيل من الأكلات الشعبية اللبنانية بعد أن سرقت من فلسطين أكلاتها الشعبية.
ولكني تساءلت: ما هي الأكلات الشعبية اللبنانية؟ وما هي تلك السورية، وتلك الفلسطينية؟
أوضّح بداية أنّي لست ممن يدينون بالولاء لسايكس وزميله بيكو، وأنا أصلا أمِيل قليلا إلى الفكرة القومية السورية التي تقول بأن لـ"سوريا الكبرى"، وهي بلاد الشام ومناطق من دول مجاورة، وحدة جغرافية وتاريخية واحدة.. فالأكلات والأغاني الشعبية والزي واللهجات والعمارة المحلية وغير ذلك الكثير، تتشابه في "سوريا الكبرى" مناطيقا، بغض النظر عن الحدود الحديثة للبلاد الثلاثة: فلسطين، سوريا، لبنان. وقد تكون قريتان في بلدين من هذه الثلاثة، أقرب لبعضيهما من أحديهما لقرية أخرى في ذات البلد.
أما الخبرية الجديدة في التقرير فهي بأن إسرائيل أمعنت في "سرقة التبولة والحمّص والفلافل من لبنان" واتخذتها كأكلات شعبية إسرائيلية. ولكن ماذا عن سوريا؟ أليست الأكلات المذكورة هي من صميم الأكلات الشعبية هناك، وفي أضيق حارة في أي مدينة أو قرية؟ ماذا عن فلسطين؟ أليست التبولة والحمص والفلافل من الأكلات الضاربة في عمق المجتمع هناك، في الـ 48 والـ 67 وحتى في المخيمات والشتات؟ أليست صدوف كمال وابنتها سيما عثمان، مؤلِّفتا كتاب "ألف باء الطبخ" القديم والشهير الصادر عن دار العلم للملايين، والمتواجد في معظم البيوت اللبنانية وربما العربية، أليستا مقدسيّتين؟
إن كانت إسرائيل تتوغل في فلسطين منذ نهايات القرن التاسع عشر، وصنعت دولتها على أرض فلسطين منذ أكثر من 60 عاما، وتوغلت في تفاصيل المجتمع الفلسطيني واستحدثت مجتمعها اليهودي هناك، وخاصة في الأراضي المحتلّة عام 48، لتسرق ما يربط أهل البلد بأرضهم، ولتدّعي انتماء ما إلى تلك الأرض- وليس هنالك أكثر من الأكلات الشعبية لتربط مجتمعا ما بمكان ما- وإن كانت كل تلك الأكلات هي من التفاصيل اليومية للفلسطيني كما للسوري واللبناني، فلماذا بعد كل ذلك، ولكي تسرق إسرائيل هذه الأكلات، تنطّ إلى لبنان، ليقول التقرير بأنها لبنانية؟ أهي إسرائيل بهذه السطحية والغباء؟
بحّ صوت الفلسطينيين وهم يقولون للعالم بأن التبولة والحمص والفلافل والفول والكبة، بأنها أكلات شعبية فلسطينية ظهرت من هذه الأرض ولا يمكن لمهاجرين يهود طارئين أن يدّعوا انتمائها لهم، كما الكوفية الفلسطينية المرقّطة التي أوجدت إسرائيل كوفية زرقاء شبيهة بها بعد فشلهم في سرقتها، كما الثوب النسائي الفلسطيني، بأحمره وأسوده، أو بأبيضه اللؤلؤي وأحمره أو بألوانه الأخرى وتطريزاته الخاصة، الثوب الذي صار الزي الرسمي لمضيفات طيران "العال" الإسرائيلي، وأذكر هنا ثوب عروس بيت لحم المعروف باسم "ثوب الملك" حيث سجلته إسرائيل باسمها في المجلد الرابع بالموسوعة العالمية، وكما التطريزات والأواني الفخارية والنحاسية والأمثال الشعبية والأغاني التراثية والدبكة والاكسسوارات النسائية، كما المفتول والمقلوبة والمسخّن والمعمول وحتى المكسّرات. كما زهرة "قرن الغزال" الفلسطينية وشجرة الزيتون اللتان قامت إسرائيل باختيارهما لتمثيلها في حديقة الورود التي افتتحت في الصين بمناسبة استضافة الأخيرة للألعاب الأولمبية مؤخرا. ليس هذا كل ما هو شعبي فلسطيني ولا هو كل ما حاولت إسرائيل سرقته والترويج له على أنه إسرائيلي أو يهودي، ولكنه بعضا مما علق في الذاكرة.
كنّا نستقوي بفكرة أن المرأة اليهودية، في كل الأجيال، لا تستطيع صنع الكبة ولا الفلافل ولا الحمص ولا التبولة، وهذا ما قاله أحد الشباب في مناظرة على "الجزيرة" لأحد الإسرائيليين من الجيل الثالث، سأله: بتروجوا في أوروبا على إنه الفلافل والتبولة أكلة شعبية يهودية، صح؟ طيب إمك بتعرف تعمل فلافل؟ ستك بتعرف تعمل تبولة؟ الكثير من مطاعم الأكلات الشعبية الفلسطينية فتحت في الغرب على أنها أكلات شعبية يهودية، وهي أكلات ظهرت من تلك المنطقة على أرض فلسطين، أو بلاد الشام بالمعنى الأصح والأعم. وهذا ما يحاول اليهود الترويج له؛ أي ارتباطهم القديم والتراثي بتلك المنطقة وتلك البلد عبر تلك الأكلات. واليوم، بعد أن يجهد الفلسطيني لاستعادة هذه الأكلات كدليل، على أحقيته التاريخية بالأرض، يتأتي من يقدّم خدمة لادعاءات إسرائيل، وينسب كل ذلك لبلد ثالث، دون باقي بلاد الشام.
الموضوع أعمق من أن تُعجب إسرائيل بالحمص اللبناني مثلا، فتسرقه لأسباب تسويقية، كأن تُعجب بالكاري الهندي فتسرقه للأسباب ذاتها. للموضوع علاقة بالانتماء للأرض، والتراث والتاريخ، وحق الوجود على تلك الأرض، والتماهي مع كل التفاصيل اليومية لأهل تلك الأرض وتماهي تلك التفاصيل مع أهل الأرض أنفسهم أينما حلّوا، وهذا ما يحاوله الفلسطينيون؛ البقاء على تلك الأرض لمن بقي، والعودة من المخيمات إليها لمن تهجّر، بأكلاتهم الشعبية التي حملوها معهم إلى المخيمات عام النكبة.
بعد أن سرقوا الأرض حاولوا سرقة تفاصيل وتراث تلك الأرض، وعلى كل فلسطيني وسوري ولبناني وأردني وعربي أن يتمسّك بها، لا أن يستفيد أحد ما من وضع ما لسبب قُطري ضيّق، تسويقي أو سياحي أو اقتصادي أو كل ذلك ربما.

* أرجو ضم الهمزة في "أخرى"، هي ليست للفتح هنا.
سليم البيك


لإضافة تعليق

الاسم:     

البلد:      

الموضوع:

التعليق:






تصميم الموقع: منال صعابنة
| للاتصال بنا: daleeli.site@gmail.com | Copyright © 2007 - 2019, All rights reserved.
       سرقة على أخرى* (عن الفلافل الفلسطينية) - سليم البيك