وظائف









مشوار فلسطيني?

شاطئ قيساريا والآثار الرومانية
Caesarea


جامع قيساريا




سياحة حول العالم

المتحف الوطني للفنون المكسيكية في شيكاغو
National Museum of Mexican Art


أحد المجسمات التي تعرض إيمان المكسيكيين بالحياة ما بعد الموت






 
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا
2011-02-02

كنت دائما أؤمن أن وضع العالم العربي لا يمكن أن يستمر في قبول الذل والتخلف. كنت دائما أؤمن أن ما يجمعنا كعرب أكبر بكثير مما يفرقنا. وكنت دائما أؤمن أن الشباب الذين ولدوا بعد آخر فرحة عرفها العرب في حرب أكتوبر سيزرعون الفرح بين الدموع. زرت معظم العواصم العربية من الرباط إلى الكويت، وكنت في كل مرة أتحدث فيها مع عائلة عربية، أجد المشترك. لم أؤمن بالأحزاب السياسية، ولم أجد لدى أي منها ما يميزه، فلدى كل منها نقاط ضعفه وقوته، وما نفرني منها جميعا تركيزها على نقاط الاختلاف والشقاق بين كل منها والآخرين، بينما كنت أبحث عن المشترك.

وعندما كنت أصرح بكل هذا بين أصدقائي من الشباب، كانوا يصفونني بالمثالية المتفائلة التي تتحدث بالقيم لا بالواقع. الواقع الذي تتكلم فيه المادة وقيم السوق، والحدود التي تجعلني كعربية أحتاج تأشيرة لأزور أي دولة عربية أخرى. وكانوا كلما طفت على السطح أحداث للشقاق، مثل الجزائر ومصر أو المغرب والكويت، يؤكدون لي أن الحلم العربي الذي أتحدث عنه موجود فقط في خيالي، وأن الشباب العربي اليوم لا يمكن أن ينتفض لأن "جلده أصبح سميكا". لم أكن أصدق وكنت أحيانا أقنع نفسي أنني لا أريد أن أصدق حتى لو كان كلامهم صحيحا، فيكفيني شرفا أن أعيش في الخيال.

لكن ما يحدث في القاهرة هذه الأيام، وما حدث ويحدث في تونس، بجهود شباب آثروا أن ينتفضوا، وعرفوا أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّد، وكسروا حاجز الخوف، جدد فيّ الثقة أن ما آمنت به دائما كان حقا. وأن ما نشأت عليه من أن بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان لم يكن أكذوبة. عندما يغني شباب العشرينات في ميدان التحرير أغنية "صورة" لعبد الحليم، فإن هذا يؤكد أن زمن الستينات ليس زمنا قلبت صفحته، وأن الوحدة التي جمعت دمشق والقاهرة لم تكن حلما أفل زمنه، وأن احتلال بغداد الذي أقنعونا أنه حدث دون أن ترمش عين الرباط لم يكن صحيحا. ويؤكد أن أي ضعف له وقت، وأن أي قبول بالذل لا بد أن ينتهي، وأن الظلم، مهما طال، لا بد له من نهار. لو قال كل منا: ما الذي يمكن أنا أن أفعله، أنا فرد وحدي ولن أستطيع فعل شيء، فإننا لن نفعل شيئا. إذا كان كل منا سيقول: لا يمكن أن أضيف، أنا واحد بين مئات الملايين، فإننا لن نصل إلى أي تغيير، ولن يجد الظالم من يقف في طريقه. ولو أن كل شابة في الاسكندرية أو كل شاب في سيدي بوزيد فكر: سينزل الآخرون إلى الشوارع، إنهم لن يحتاجونني، لما كان حدث ما حدث.

لقد قلت لهم ذات مرة نحن جيل "افتح يا سمسم" فضحكوا. وقلت لهم إننا من جيل "التلفزيون" فاستهزؤا. نعم، أنا أنتمي لجيل فتح عينيه على التلفاز، فلم يعشق الراديو ولم يقدس الصحيفة. إنني أنتمي إلى جيل عرف معنى الصورة واستطاع أن يطوعها لخدمته. وأفخر أنني تعلمت الأحرف من افتح يا سمسم وعلقت صورة نعمان في غرفة نومي. حينها كنت طفلة لم أدرك أن هناك حدودا بين الوطن العربي الكبير وأحسست أن الجزائر وبيروت، كلاهما جزء مني وأنا جزء منهم.

وجاء بعدنا جيل، هو جيل "الإنترنت"، فجمع التلفاز مع الإنترنت وأصبح جيل "الإعلام الجديد" الذي سماه البعض جيل "الفيس بوك". إنه جيل شاهد على اليوتيوب فلم البريء لعاطف الطيب رحمه الله، وشاهد على الفيس بوك أحمد فؤاد نجم وهو يصف رجال الفساد بالعصابة. إنه جيل لم يعد ممكنا أن نخبئ عنه عوراتنا. إنه جيل عرف رعب النظم الأمنية، وخبر ألاعيبها بشق الصف، لكن انكشاف الأمر لم يصبه بالإحباط، أو جلس لينتظر صلاح الدين على حصان أبيض، لأن الحصان من زمن ولى، ولأن صلاح الدين لن يولد إلا من بيننا.

لم يكن في خيالي أن موقعا للتواصل الاجتماعي، أصله أمريكي وعليه علامات استفهام كبيرة، سيعكس في صفحته قمة الوحدة العربية بين أناس لم يجمع بينهم سوى أنهم "عرب". ولم يخطر ببالي أن قنوات فضائية تبث من العالم العربي ومن العالم الغربي ستتضامن مع قناة الجزيرة لتبث شاشتها وتثبت أن الصديق وقت الضيق، وتعلن أنها جميعا قنوات "عربية". ولم أتوقع أن أرى بعيني سقوط نظام بن علي، وتهاوي نظام مبارك، ولم أتوقع يوما أن أسمع المثقفين والفقراء كلهم يذمون الفساد والظلم ويصفونه بكل الصفات التي يجب أن يوصف بها. أنا لا أتقن فن السياسة ولا فن الأبراج والتوقعات، لكنني أعترف أنني – مع كل تفاؤلي وإيماني بالوطن العربي الكبير _ لم أتوقع أن أرى كل هذا الشباب فاعلا من أجل الحرية. آمنت فقط أننا كلنا عرب، وأننا نهون حين ننسى المقولة الأثيرة أكلت يوم أكل الثور الأبيض، وأننا نعلو حين نتذكر أننا واحد، وأننا إذا اشتكى منا عضو يجب أن نتداعى له بالسهر حتى نكون كالجسم الواحد، فإن كنا كذلك فإننا سنفخر حين نعلم أبناءنا لغتنا وتاريخنا، ونؤكد لهم أن مستقبلنا نصنعه بأيدينا.

اليوم أستذكر قصة درسناها جميعا في كتاب القراءة في الابتدائية، لكننا لم ندرك معانيها حتى اليوم، أن شيخا كبيرا كان يحتضر، فجمع أولاده وطلب حزمة من الأعواد، وكانت متفرقة، فاستطاع كل واحد منهم كسرها، فلما جمعها صعب عليهم كسرها فقال لهم:

كونوا جميعا يا بني إذا اعترى خطب ولا تتفرقوا آحادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت أفرادا
روان الضامن



روان الضامن


لإضافة تعليق

الاسم:     

البلد:      

الموضوع:

التعليق:






تصميم الموقع: منال صعابنة
| للاتصال بنا: daleeli.site@gmail.com | Copyright © 2007 - 2018, All rights reserved.
       تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا - روان الضامن