وظائف









مشوار فلسطيني?

، معرض الرياضة الدولي يصل إلى متحف العلوم والتكنولوجيا، المداعتك في حيفا


آلة كرة السلة، المعرض الدولي لعلوم الرياضة




سياحة حول العالم

الأردن، عراق الأمير، ماذا عن هذا المكان السياحي؟


عمان الأردن، وسط البلد






 
العدالة عمياء ولا عزاء لمن يرون
2011-08-10

صباح اليوم الثالث من أغسطس ٢٠١١، مشبع بالحر والرطوبة وتوجس شعبى جماعى من عدالة تخفى عينيها عن الواقع والحقيقة، وقاض طبيعى يبدو غير طبيعى، حين تتناقض الطبيعة مع العقل، ويختفى العدل تحت حكم القانون.

التليفزيون المصرى، الجهاز العتيق المدرب على التلفيق يتراكم عليه الهاموش والتراب مع قدر كبير من عدم الاحترام.

تهتز الشاشة تحت الأضواء والزحام والضجيج فى قاعة المحكمة، تبدو المسرحية غير محبوكة للعين التى ترى، وليست التى تنظر ولا ترى.

تبحث عيون الجماهير عن وجه واحد أوحد من بين القضبان، القلوب واجفة ترتجف، المتهم لم يكن من البشر، كان الإله الحاكم بأمر الله، لا يتبدى للعين البشرية، يتخفى وراء سحابة بيضاء أو عمود دخان، الملائكة البيضاء من جنوده الأوفياء تخفيه عن الرؤية، تتطلب هيبة الفرعون الإله أن يكون روحا محلقة لا يرى ولا يشم، يعلو فوق الحواس الخمس، الضوء يسقط عليه لحظة خاطفة لينكشف نصف عين أو نصف شفة أو نصف أنف مقدس، أو نصف يده، يرفعه إلى نصف رأسه ليهرش الأفكار العليا فوق العقل البشرى، أو شفته السفلى الممتلئة بنعم الدنيا، يمطها فى اشمئناط من الدنيا، ابتسامة ساخرة تفلت من زاوية عينه، كالروح القدس، تحوم تحت فتحتى أنفه الكبيرتين، تتسعان للاندهاش لكل شىء وعدم الاندهاش لأى شىء، الكل ولا شىء، صفة الفراعنة الآلهة فوق القانون والمحاسبة،

تطل النظرة المحفورة منذ خوفو الأكبر فى الذاكرة المصرية، نظرة تهديد ينتصب لها الشعر، لحم الجسد يقشعر، أرقده المؤلف على سرير، أدخله وأخرجه على نقالة، لكن نظرته الفرعونية لا تتغير، حركة يده حين ينظر إلى الساعة حول معصمه المعصوم، يضبط زمن الكون بنظرة واحدة أو نصف نظرة، يتحكم فى تسيير أعمال الدنيا والآخرة، الرئيس الأوحد الأبدى، ليس المتهم المريض المحمول على نقالة.

لم تكن فى عينيه نظرة من يساق إلى الإعدام، أو السجن أو عقاب شديد أو عتاب رقيق، لم تتعكر عيناه بالقلق لحظة أو نصف لحظة، النظرة المتعالية تتحرك هنا وهناك، تعطى أوامرها بحركة يد أو إصبع، يشير به إلى الحرس الأبيض من حوله، حاملى الكتاب المقدس من الملائكة الأطهار، دائمى الحركة حول الأب الكبير، رب العائلة، يحاول عقلى أن يقنعنى بأنها محاكمة حقيقية تجرى على أرض الواقع فى القاهرة، دون جدوى، داخل كل إنسان عقل يتفوق على العقل، مشاعر خفية أكثر وعيا من الإدراك، هذان النجلان الشبيهان بالفرسان البيض أو الخيول الصهباء، فى استعلائها ولهوها، يقومان بدورهما فى الملعب، بنشوة الجواد الفائز مقدما فى السباق.

والمصحف الذى يتلحف به كل منهما، يحمله فى يده أو تحت إبطه أو ينقله وراء ظهره حين يهرش رأسه، مشهد لا غنى عنه فى المسلسلات المتعجلة فى شهر رمضان، والجماهير الصابرة الصائمة الراضية بالمصير المكتوب، يتعمد المؤلف وجود كتاب الله فى المحكمة، يغفر الله الذنوب جميعا إلا الشرك به، لم يكن ملحدا أو علمانيا أو كافرا، كان مؤمنا موحدا بالله يصلى ويصوم، مثل غيره من الملوك والرؤساء، الرئيس المؤمن اغتالته يد آثمة فى غفلة من القدر، الملك الصالح خليفة الله فى الأرض، حبيب الملايين، غنت له أم كلثوم وعبدالوهاب، والأدباء العظام فى جريدة الأهرام كتبوا عنه مقالات وقصائد شعر حتى سقط فلعنوه وغنوا للثورة المجيدة، هتفت المآذن بدوامه إلى الأبد تحت قيادة شيخ الجامع الأكبر.

ظهرت الدموع تأثرا فى مآقى الشعب الوفى الأمين، الذى يدين بالولاء والطاعة، منقوشة فوق شغاف قلبه منذ العبودية، هتف صوت جهورى عبر الميكروفونات «الله معه»، هتفت حشود السلفيين «عفا الله عما سلف»، ثم سقط قرار المحكمة فوق رؤوس الجماهير مثل كوز ماء صاقع صاعق، تقرر تحويل فخامته إلى مستشفى أرقى درجة!

سؤال دار فى الرؤوس؟

هل غاب عن المؤلف أن يضع له ماكياج المريض الهزيل، تمهيدا لقرار إحالته إلى المستشفى؟ لماذا جعل له نظرات متغطرسة تتناقض مع مشهد النقالة؟ هل تغلبت الإرادة العليا على إرادة المؤلف؟ هل تغلب العناد الفرعونى على حبكة المسرحية والإتقان الأدبى؟!

الثورة المصرية حققت نجاحات كثيرة، أهمها نقل فخامته من كرسى العرش إلى القفص، خفقت قلوب الشعب الطيب وجلاً، حين نادوه باسمه الثلاثى حاف، رد قائلاً بقوة وزهو «موجود»، كأنما يقول «الله موجود»، كأنما ينادون عليه للحصول على جائزة أو وسام، هل غاب عن المؤلف أن هذا الصوت القوى يتناقض مع رقدته فى سرير المرض؟ وقد يحرمه من التعاطف المطلوب؟ هل يعلو التغطرس السلطوى على النص المكتوب؟

أم أن المحامى المخضرم صاحب البلايين رأى أن الصعود إلى المقصلة برأس مرفوع قد يوحى بالبراءة أكثر من الطأطأة لإرادة الشعب؟

نعم أيها السادة، إذا قام النظام الحاكم على القوة العسكرية والمال والبورصة، فكل شىء يبدو طبيعياً، ولابد أن يعلو القاضى الطبيعى على الحقيقة والعدل، لابد أن تصبح العدالة عمياء والقانون لا يرى، ولا عزاء لمن يرون.
د. نوال السعداوي


لإضافة تعليق

الاسم:     

البلد:      

الموضوع:

التعليق:






تصميم الموقع: منال صعابنة
| للاتصال بنا: daleeli.site@gmail.com | Copyright © 2007 - 2018, All rights reserved.
       العدالة عمياء ولا عزاء لمن يرون - د. نوال السعداوي