وظائف









مشوار فلسطيني?

شاطئ قيساريا والآثار الرومانية
Caesarea


جامع قيساريا




سياحة حول العالم

بحيرة نيفاشا، كينيا









 
خطاب عودة بشارات : خطأ في الاداء ام تملق للرأي العام الاسرائيلي الرسمي واستبطان للخطاب الصهيوني؟
2011-08-28

عودة بشارات، المثقف والقيادي في الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ردد في كتاباته الاخيرة على صفحات جريدتي الإتحاد وبالإنجليزية، موقع الحزب الشيوعي الاسرائيلي و هآرتس مرويات عن دور الخطاب العربي الرسمي وخطاب الحاج امين الحسيني بالذات في تحقيق استراتيجية بن غوريون لطرد الفلسطينيين من وطنهم. ومثل هذا الخطاب الذي يدعي التاريخية والعلمية، لا يصمد امام التحليل العلمي للعمليات الاجتماعية، ولا امام النظريات التاريخية التي تفرق اول ما تفرق بين ما هو هامشي وما هو رئيسي ومركزي وبنيوي في العملية الاجتماعية او التاريخية وتحتم على الباحث التحقق من كل المرويات قبل ترديدها وبثها باعتبارها حقيقة يقوم عليها بنيان من الاستنتاجات.

فترديد عودة بشارات وتأكيده:"اعتمد بن غوريون فيما اعتمد عليه، في مخططاته لافراغ البلاد من العرب، بان العرب أنفسهم لن يقبلوا بالعيش تحت "حكم اليهود". هو ترديد ادعاء كاذب من حزمة ادعاءات ملفقة تقدمها الصهيونية ودولة اسرائيل لتبرير عمليات طرد وتهجير الفلسطينيين التي نفذتها القوات العسكرية الصهيونية في سنوات 1947،1948،1949 وبعد ذلك ايضا. ومرويات عودة بشارات تتناقض مع آخر استنتاجات البحث العلمي التي قدمها د. نور مصالحة في رصده لبرامج الاقتلاع الصهيونية، ومع اعمال اعمال ايلان بابي التي تؤكد مثل دراسات كثيرة قبلها على عمليات الطرد المنظم وتتفرد باصرارها العلمي بان عمليات الطرد تمت تطبيقا لخطة عسكرية مركزية محورها الحصار والقتل والطرد، وهي بالتحديد خطة من وضع بن غوريون وبطانته.

اضافة لذلك فان ما يرويه عوده بشارات بثقة تامة عن بن غوريون يشكل،عن وعي او دون وعي، تقبلا واستبطانا لمقولات صهيونية اساسية تدعي ان صراعها وتناقضها وحربها كانت بالاساس مع التطرف العربي، مع "الرجعية العربية المتطرفة والاقطاعية" وليس مع اصحاب الحق من المظلومين الفقراء. فالصهيونية تزعم كذبا وزورا انها جاءت ايضا لانقاذ فقراء فلسطين ومظلومي الشرق من "جور الرجعيين العرب الغوغائيين الطماعين الذين يخاوفون الاشعاعات التقدمية الصهيونية".

ترافقت اقوال عودة بشارات المذكورة مع تصريحات هامه قدمها كذلك بالعبرية على صفحات هآرتس. وفي تلك الاقوال زاد عودة بشارات على مروياته عن بن غوريون بمأثورات من جراب الكاتب والقائد السياسي المرحوم اميل حبيبي، وكذلك بابداعات من عنده. ولن نتطرق لها جميعا في هذا المقال.

تحدث عودة في تنظيراته عن تطوير مقولة اميل حبيبي المسماة "الفرج العربي"، وهي جملة فلكلورية ابتدعها اميل حبيبى ثم استلطفها فحولها لاحقا الى نظرية للنقد التاريخي والتحليل السياسي. وقد تكرست هذه الجملة الصحفية، ومثلها جمل اخرى، باعتبارها نظريات حزبية شيوعية ثورية تتوارثها الاجيال. وجملة "الفرج العربي" التي اصبحت نظرية تحول الصراع الفلسطيني مع اسرائيل والصراعات العربية مع اسرائيل الى ساحات سباق اعلامية. وبما ان الصراع هو سباق اعلامي فان قمة النجاح فيه تتلخص بجملة اخرى صارت نظرية ثانية هي جملة ونظرية "فضح حكام اسرائيل". والحاجة العملية لمثل هذه النظرية واضحة كالشمس: فان اميل حبيبي قائد سياسي وصحفي يعمل في منظومة علنية شرعية تحت دولة اسرائيل، واستراتيجيته لتغيير الحكم تقوم على التشهير بالحكومة الاسرائيلية وممارساتها القمعية. ولن ندخل هنا في مناقشة صحة الاستراتيجية او خطأها، ونكتفي بالاشارة الى ان هذه الاستراتيجية مؤسسة بدورها على مفهوم اميل حبيبي والحزب الشيوعي الاسرائيلي لدولة اسرائيل وللمواطنة الفلسطينة تحت حكمها.

جملة "الفرج العربي" هي اذا اداة اعلامية لخدمة حزب صغير،رغم اهميته، وضمن واقع محدود. والمهم هنا ان ننتبه الى ان مثل هذه الاداة الصحفية لا تصلح لتحليل الواقع الفلسطيني ولا لتحليل الواقع العربي المتنوع ولا لتحليل النضال التحرري الفلسطيني ولا الصراع العربي ضد الهيمنة الاسرائيلية وضد الاحتلال الاسرائيلي. وما فعله عودة بشارات هو فرض جملته الحزبية الاعلامية على الواقع العربي والفلسطسيني كله وجعل التاريخ والفعاليات العربية والفلسطينية رهينة عند حاجاته الاعلامية والسياسية. لذلك كله وبمناسبة خطابه للرأي العام الاسرائيلي، يجتهد عودة في التركيز على مرويات بن غوريون التي تنسب للحاج امين اقوالا متطرفة مثل القاء اليهود في البحر، وان هذه الاقوال اسهمت في طرد العرب. وبدل التنديد باجرامية بن غوريون او الاكتفاء بترديد القول المأثور بان اسرائيل القت بالفلسطينيين في الصحراء والعراء، يقف عودة ليقول للجمهور الاسرائيلي ما لم يسبقه اليه عاقل.

يقول عودة متسلحا بنظرية "الفرج العربي" وبالعبرية الفصحى: "ما يجري بالفعل هوان الفلسطينيين ملقى بهم تحت رحمة اثني وعشرين دولة عربية شقيقة."

هذه الصياغات اللغوية يطرب لها الجمهور الاسرائيلي المتشبع بالدعاية الرسمية. فهي ترمي الحاج امين والقيادات العربية بالحجارة ليتشفى الجمهور الاسرائيلي المتربي على كراهيتهم وكراهية العرب. ومن ثم فهي صياغات تخفي اسم وصفة الفاعل الذي القى بالفلسطينيين خارجا وتخفي ايضا اسم وصفة المكان الذي اقتلع منه الفلسطينيين. وبالمقابل فان المعلوم بالاسم والصفة والمرتبط بجريمة اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم هو الفضاء الواسع المحيط بارض الفلسطينيين " رحمة اثني وعشرين دولة عربية شقيقة."

فهل فات الكاتب ان الدول العربية الشقيقة كانت ستة او سبع حين قام الفاعل المخفي، اي الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل، باقتلاع الفلسطينيين من المكان المخفي، الذي هو وطنهم واسمه فلسطين! وما ذا عن رحمة او قلة رحمة الطرف الاسرائيلي، هل تصبح ذمة دولة اسرائيل صافية بريئة لانه اصبح للفلسطينيين، بعد النكبة بعقود، اثني وعشرين شعبا شقيقا يعيشون في دولة مستقلة؟ وهل نسي عودة ان هذه الشعوب والدول ذاتها كانت وما زالت تواجه عدوانية وسيطرة الاستعمار القديم والجديد!

عودة بشارات زاد في الابداع فقدم اضافة جديدة اخرى على تنويعات الفرج العربي الحبيبية، وهي اضافة تتعلق بالعلاقات السورية الاسرائيلية والسورية الامريكية. كتب عودة في هآرتس "في سوريا فان الفرج هو التوحش الكاذب ضد اسرائيل والولايات المتحدة."

اذا حسب عودة بشارات ادعاءات النظام السوري ضد اسرائيل والولايات المتحدة كاذبة! لاحظوا جيدا ليس ان استعمال النظام لمؤامرات اسرائيل وامريكا لقمع المواطنين السوريين هو الخطأ، الخطأ، بل الكذب المتوحش هو ادعاءات النظام السوري ضد اسرائيل والولايات المتحدة. وهذا قول يخص دولة تحتل اراضي سورية هي اسرائيل ودولة مكنت اسرائيل من احتلالاتها كلها هي الولايات المتحدة. هل علينا ان نضيف للسيد عودة ان هذه الدولة معادية للشيوعية وللتحرر ولها اسبقيات في التآمر واسقاط الحكومات والاحتلال في كل ارجاء العالم.

ان هذا التركيز على "غباوة، وتفاهة، بل وخيانة القيادات العربية والفلسطينية" امام الجمهور الاسرائيلي هو تملق مكشوف للرأي العام الاسرائيلي المصنوع كولونياليا وللافكار المسبقة التي ترسخها الصهيونية ودولة اسرائيل ضد الحكام العرب والقيادات الفلسطينية، بل وضد كل عربي وفلسطيني. فالمزاعم الصهيونية ضد الحكومات والدول العربية وضد مثقفيها واعلامييها هي ادعاءات تأتي في سياق استعماري وتحمل معان مخالفة تماما للنقد الثوري العربي والفلسطيني تجاه الحكام العرب والقيادات الفلسطينية.

ما غرسته الصهيونية ودولة اسرائيل عبر مدارسها ووسائل اعلامها المتنوعة في اذهان الاسرائيليين هو مزدوج : على الصفحة الاولى قاعدة رقم واحد: التخوين. اي تخوين وتجهيل كل القيادات الفلسطينية والعربية بما يتعلق بمصالح شعوبها والزعم بان هذه القيادات والنخب باعت فلسطين للصهيونية، وهذه القاعدة تمتد فتشمل كل عربي وفلسطيني وليس النخب فقط.

وعلى الصفحة المقابلة غرست الصهيونية القاعدة رقم اثنين :العداء العربي الدائم. تزعم هذه القاعدة بان القيادات العربية رجعية بمعنى انها مسيحية متطرفة او اسلامية متطرفة، معادية للتقدم والعلم، ضد اليهود وضد التفاهم وضد الديموقراطية وتشكل خطرا دائما على اسرائيل. وهذه القاعدة تمتد فتشمل كل عربي وفلسطيني وليس النخب فقط.

وقلما يخلو خطاب اسرائيلي رسمي واكاديمي وصحفي متعلق بالصراع من استخدام احدى القاعدتين او كليهما او تفرعات عنهما. هذه الافكار الصهيونية تغلغلت في اوساط المثقفين وعموم الفلسطينيين والعرب، ولا بد من تعقبها ونقدها لانها لا تستوي مع النقد الثوري والاصلاحي اليساري او اليميني للانظمة والحكام والنخب العربية والفلسطينية. ان كلمة رجعية في السياق الاسرائيلي هي مصطلح للتدليل على تقدمية الصهيونية وليس للتأشير على قصور النخب العربية والفلسطينية عن تحقيق الاستقلال والعدالة لشعوبها. وشتان ما بين قول وقول.

وختاما اود التأكيد بان ليس للكاتب اي نية او قصد سوى نقاش الافكار الواردة في كتابات السيد بشارات وضحدها بدون المس او الانتقاص من نضالية عودة بشارات او اميل حبيبي او الحزب والمؤسسات التي انتموا او ينتمون اليها. لكن النضالية والاخلاص لا تعني صحة الافكار والنظريات، وبالتأكيد لا تعني صحتها كلها. وبالتالي فان مناقشة الافكار المطروحة والمعلنة على الجمهور امر لا بد منه لكل من يتوخى الحقيقة وقضية التحرر. ومن الافضل ان يتم صراع الافكار بكامل الصراحة والمبدأية.
غسان فوزي






غسان فوزي


لإضافة تعليق

الاسم:     

البلد:      

الموضوع:

التعليق:






تصميم الموقع: منال صعابنة
| للاتصال بنا: daleeli.site@gmail.com | Copyright © 2007 - 2018, All rights reserved.
       خطاب عودة بشارات : خطأ في الاداء ام تملق للرأي العام الاسرائيلي الرسمي واستبطان للخطاب الصهيوني؟ - غسان فوزي