مقاطع من "يوميّات" 2008
2009-02-15

مفتاح
على حافّة الفلسفةِ:
يضاجِعُ الكونُ فكرةَ الجُرْحِ.
ربّما كان عليهِ أن يفتحَ النّافذة كلّها
كيّ يستنشقَ زفيرها!
(الإثنين، 21/8/2006) في الرّابع من آذار هذا، أستذكر صورة المرأة الّتي بقيت تحت الرّكام بعد سقوط أحد الصّواريخ على بيت والديها، بقيت هناك مدّة 40 دقيقة ولا مغيث لهم..
...
يوم الأربعاء هو الخامس من هذا الشّهر، أستفيق على رؤيا:
يُسقِط نفسه من العمارة وهو يفتح ذراعيه كما لو كانا جناحين .. ويهبط إلى كومة الأوراق الّتي ترتفع وتعلو كلّما نزل وهبط خطوةً إلى أسفل.. يصل.. وتتبعثر الأوراق وتطفو؛ هي أوراق ما دوّنه من ذكريات دمٍ في المخيّم، يريدها أن تتناثر في كلّ خرائط الجغرافيا.. لأنّها شاهدةُ الواقع.
...
اليوم السّادس من مارس 2008:
"الماءُ غدا أغلى من دم الفلسطينيّ".
جملة قالتها المرأة في غزّة هاشم، ونحن على أعتاب إعلان أنّ حقوق المرأة هي حقوق إنسان.
تلك امرأة أخرى، خرائط وجهها المحفورة وعيناها الغائرتان الصّغيرتان.. ودموع تولول: "آه يا يمّا.. ولادي.. يمّا ولادي.. يا يمّا وين ولادي؟!".
.. في العالم العربيّ الكبير: أكوام حديدٍ تُستورد للمتاحف وللسّجلاّت الرّقميّة والإحصائيّة.. وستغدو كلمة بندقيّة: نوعًا من المعادن للزّينة في الحفلات الرّسميّة.
...
يهمسُ برتقال يافا الحزين:
صداقة

قرّرتِ النّافذةُ أن تنفتح على نفسها،
لأنّ المنديلَ المعلّق هناك على شجرةِ العلّيق
خبّأ في جسده برتقالةً
هي نفسُها برتقالةُ آخِر الليل.

يتراءى لي أنّه أسدل خيوطه
على
آخرِ نقطة
في
أسْفلِ العتمةِ هذه،
وتتسرّب النّكهةُ البرتقالُ على ضفاف البحر.
(14/5/2006الأحد،)

وصباحًا، لم يعد الصّغار يعلّقون أراجيحهم على أغصاننا ليلعبوا ويتقافزوا، لأنّ جذورنا يتمٌ اقتلاعها.. والمواد المحرّمة دوليًّا شوّهت الوجوه وبترت أطرافهم وأخرست رنّات ضحكات محمّد وملك، عمر وعلي، كامل وسليمان، أميرة وسماح، سلوى وصفاء وكثيرين وكثيرات قبلهم وبعدهم.
.. يزداد عدد الحواجز.. وتُغلَقُ المعابر.
. . .
الجديلة الّتي كانت تقرأ في كتاب "خميلُ كسلِها الصّباحيّ".. هي نفسها الجديلة التي أطاح بها الجنديّ أرضًا؛ حين أطلّت بفستانها الأصفر المنقّط.. تلك الجديلة مسحت إسفلت الشّارع بيدين من إسمنت ليتأرّج كلّ المكان بصراخٍ أسود لفتاة كانتها.
رسمت دماؤها رقم المليون ونصف المليون فلسطينيّ وفلسطينيّة الّذين يعيشون في القطاع.
..
وهناك دوّى صوت التّأهّب.. لأنّ إرادة الشّعب أقوى من كلّ الصّواريخ والقنابل الذّرّيّة.
خبر عاجل: تمّ الإستيلاء على نعش هيئة الأمم المتّحدة.

اليوم السّابع:
قصاصةُ سَكِينَة
البارحة تعلّق المواء بشبّاكي:
إنفلقَ الليلُ مغبونًا..
وخرجتُ أنا
فاقدةً ملامِحي.
تقاصَرَ الذّيلُ
وتسلّل خارجًا
بِسِكّينَة.
(السّبت، 24/6/2006)

.. سوسٌ ينخر وقذائف تستمرّ وأضاميم ورد على القبور، بعد دخول استشهاديّ على معهدٍ تلموديّ لرجالٍ يصنعون الحروب.
...

صوتٌ يتجلّى روحًا؛ يصرع الأقفال في المتاهات القصيّة في النّفْس الّتي لا تنفتىء تتطاير كأشرطة من حرير وكراتٍ من الكهرمان، تتناثر وتتسارع وتتشظّى ألقًا في فضاء الكون.
أرواحٌ متبعثرة وملتصقة، متّحدة ومتناغمة.. متباعدة ومنزلقة إلى ما فوق الأعالي. يدمع الكمان ويقطر النّاي شجنًا، وتنزلق الحروف.. تتسارع إلى العلا لتشكّل تعابيرَ خلق أخرى.
...
صمت
نَديفُ القُطْنِ، يفورُ فورانَ الكمانْ:
حَدَّ التّنفُّسِ واصلةٌ موسيقاكَ
.. عصفورٌ جذلانٌ يسْتَنْزِلُ في ليلي،
أوَ هل للصّوتِ أن يُقْتَل؟!
(الإثنين، 22/5/2006)
...
الوجه المشوّه يمسك بيده طفلاً صغيرًا.. الطّفلُ لا يلبثُ أن يختطفَهُ رجلُ حرْبٍ بحجّة أنّه يهدّدُ أمن دولة.
- نُفجَع كلّ يومٍ لأنّ أرضنا ليست إلاّ لِمَنْ سلَبَها..
- إعتدنا الفقد في هذه الهويّة الّتي نتنفّسها..
* * *
صباحُ اليوم الدّراسيّ:
يقطَعُ يوسفُ في نهارِه الحواجِزَ الكثيرة في مدينته أريحا.. تحرقُه الشّمسُ ويكويه البردُ كيّ يصلَ إلى مدرسته.. المسافة طويلة تستغرقُ السّاعتين أو الثّلاث، قبلها كانت المسافةُ ربعَ السّاعة.
.. يُصرُّ يوسف أن يصلَ إلى صفّه ويحرص على التّعلّم، لأنّه يحبّ أن يفهمَ أكثر.
* * *
هو:
في شارعه حجرٌ. مِنْ بيته المهدّمِ حَجرٌ..
وفي القبضة حَجر.
.. هو صديقُه الحَجر.
..
أمّا هو فيحتمي خلفَ السّورِ والجُدران.. مِنْ حَجر.
...
هو الجارُ يرسِلُ لرفيقه برقيّةً: يحبّ أن يعطيه ألعابه.. يريد أن يقضي العيد معه ليتشاركا بالهدايا والثّياب والحلوى..
هو جاره الصّغير في البلدِ الكبير.
...
ناولَته مفتاح السّيّارة، بعد أن تبادلا كلامًا.. فتحت هي بابها وجلست في المقعد، ليقودها هو.
...
الثّامن من آذار هذا:
تولّيتٌ عرافة يوم المرأة العالميّ وفيه نادينا لصمودنا ونضالنا وحرصنا على تشبّثنا بأرضنا وبقائنا.
هَدْأةٌ منشودة

يَنْثالُ علينَا همُّ الوطنْ..
.. ونينٌ وأنينْ..
ونينُ العيشِ وأنينُ حالْ.
..
يَرْتَهِنُ على العامِلِ والعامِلَةِ
طَعْمُ القمْحِ
بإقصاءِ حُقوقٍ
وَهَمْسٍ وَهَسْهَسةْ؛
هَمْسُ الرّغيفِ وهَسْهَسَةُ عَوَزْ.
..
ولا يبقى لنا/ لهم إلاّ
قَنْطَرَة أمَلْ.
* * *
ونطلُبُ لنا/ لهم
قنطرةَ مساواةٍ
بينَ عامِلَةٍ وعامِلْ؛
بِكَدِّها وتَعَبِهِ
بِعَمَلٍ لازِمٍ وحقٍّ واحِدْ.
(الإثنين، 26/2/2007)

يستمرُّ القنصُ الجويّ..
والنّساء هنّ مَنْ يحدِّدنَ الأنسابَ.
وبقربِ الجدار الفاصل يعتصِمْنَ.. ويحمين بيوتهنّ مِنَ الهدمِ.. ولمنع مواصلةِ مصادرة الأراضي يهتفنَ.
وعند أحد الحواجز تلدُ أمّ ابنها "ثائر".
أصابع تدخل في مستودع لذّة.
.. ورعشتان على بُعد خطّ الذّروة..
..
.. لا زالت مسيرات الشّعوب العربيّة تجوب الشّوارع.
...
أرشيف
له ابتسامةُ الياسمين،
وقلبُ العطرِ
وقميص أبيض
بأربعة أزرار مفتوحة على سرّ الكون،
وتمرينُ الموت.
(الخميس، 24/8/2006)
...
تعديل مفخَّخ:
في العام 2001 قرّرت محكمة العدل العليا منع أساليب التّعذيب الجسديّ عند تحقيقات رجال المخابرات، وتغييرها إلى العنف النّفسيّ بما يشمل الإرهاق الذّهنيّ وعدم النّوم.. ما عدا في حالات خاصّة تستدعي ممارسة العُنفَيْن معًا.
..
الهولوكوست في غزّة.
ونحن هنا مطالبون بأن يتمّ طردنا إلى غزّة، لأنّنا المتظاهرون تنديدًا بالعدوان على غزّة.
* * *
العالم العربيّ ينفجر فيه الشّعب على الأحداث الواقعة في العراق ولبنان وفلسطين.. وأيضًا لأنّ الزّيادة في أسعار السّلع والنّفط ونسب التّضخّم.
وكالة الأنباء تعلن: إستشهاد عشرات المواطنين في طوابير الخبز.. وعشرات آخرين بسبب أزمة البرد.
...

اليوم هو 13 مارس/آذار

في السّوق العتيق في النّاصرة، يطلّ من بين الأزقّة محمّد ومجد، بشارة وهالة؛ كلّهم يبحثون عن متّسع مكانيّ للعبهم، لأنّ حيطان بيوتهم ضيّقة، بالكاد تتّسع لفَرْشات أسرّتهم..
قرقعات أحذيتهم البالية تسمعها الشّرفات المهمَلة أو المتروكة تحت خطّ فقرٍ.. والقرقعات نفسها تَسمَع كلماتٍ من شبابيك أخرى في السّوق نفسه لساكنين جدد.. الأصدقاء الأربعة لا يفهمون معناها، لأنّها بلغة يقولون عنها العبريّة..
ويتساءلون في طريق عودتهم: "هل ستتبقّى كسرات الخبز إلى يوم غد؟"
.. يقرّرون أن يتقنوا العبريّة ليفهموا أحاديث السّكّان بجوارهم..
منى ظاهر



منى ظاهر



لإضافة تعليق

الاسم:     

البلد:      

الموضوع:

التعليق:






تصميم الموقع: منال صعابنة
| للاتصال بنا: daleeli.site@gmail.com | Copyright © 2007 - 2020, All rights reserved.
       مقاطع من "يوميّات" 2008 - منى ظاهر